ابن رشد
246
تهافت التهافت
كانت ليست أوائل ، ولا هي مشهورة ، ولا يقع في بادئ الرأي بها تصديق أتت في غاية الشناعة . لا سيما عند من لم يسمع قط من هذه الأشياء شيئا . فلقد شوش العلوم هذا الرجل تشويشا عظيما وأخرج العلم عن أصله وطريقه . قال أبو حامد : الفن الثاني : قولهم أنا وإن لم نقل أن الأول مريد الأحداث ولا أن الكل حادث حدوثا ثانيا فإنا نقول أنه فعله وقد وجد منه . إلا أنه لم يزل بصفة الفاعلين فلم يزل فاعلا فلا نفارق غيرنا إلا في هذا القدر ، وأما في أصل الفعل فلا . وإذا وجب كون الفاعل عالما بالاتفاق بفعله فالكل عندنا من فعله . والجواب من وجهين : أحدهما : أن الفعل قسمان : إرادي كفعل الحيوان والإنسان ، وطبيعي كفعل الشمس في الإضاءة ، والنار في التسخين ، والماء في التبريد ، وإنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي كما في الصناعات البشرية ، وأما الفعل الطبيعي فلا . وعندكم أن اللّه تعالى فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع والاضطرار لا بطريق الإرادة والاختيار ، بل لزم الكل ذاته كما يلزم النور الشمس ، وكما لا قدرة للشمس على كف النور ولا للنار على كف التسخين ، فلا قدرة للأول على الكف عن أفعاله تعالى عن قولهم علوا كبيرا ، وهذا النمط وإن تجوز بتسميته فعلا يقتضي علما الفاعل أصلا . فإن قيل : بين الأمرين فرق ، وهو إن صدر الكل عن ذاته بسبب علمه بالكل فتمثل النظام الكلي سبب فيضان الكل ولا سبب له سوى العلم بالكل والعلم بالكل عين ذاته ، فلو لم يكن له علم بالكل لما وجد منه الكل بخلاف النور من الشمس . قلنا : وفي هذا خالفك إخوانك فإنهم قالوا : ذاته ذات يلزم منه وجود الكل على ترتيبه بالطبع والاضطرار لا من حيث أنه عالم بها ، فما المحيل لهذا المذهب مهما وافقتهم على نفي الإرادة ، ولما لم يشترط علم الشمس بالنور للزوم النور بل يتبعه النور ضرورة ، فليقدر ذلك في الأول ولا مانع له . قلت : استفتح هذا الفصل بأن حكى عن الفلاسفة شيئا شنيعا ، وهو أن الباري سبحانه ليس له إرادة لا في الحادثات ولا في الكل ، لكون فعله صادرا عن ذاته ضرورة كصدور الضوء من الشمس . ثم حكى عنهم أنهم قالوا : من كونه فاعلا يلزم أن يكون عالما . والفلاسفة ليس ينفون الإرادة عن الباري سبحانه ولا يثبتون له الإرادة البشرية ، لأن البشرية إنما هي لوجود نقص في المريد وانفعال عن المراد فإذا وجد المراد له تم النقص وارتفع ذلك الانفعال المسمى إرادة . وإنما يثبتون له من معنى الإرادة أن الأفعال الصادرة عنه هي